أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
275
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : لا تَعْبُدُونَ قرئ بالياء والتاء « 1 » ، وهو ظاهر . فمن قرأ بالغيبة فلأنّ الأسماء الظاهرة حكمها الغيبة ، ومن قرأ بالخطاب فهو التفات ، وحكمته أنّه أدعى لقبول المخاطب الأمر والنهي الواردين عليه ، وجعل أبو البقاء قراءة الخطاب على إضمار القول . قال : « يقرأ بالتاء على تقدير : قلنا لهم : لا تعبدون إلا اللّه » وكونه التفاتا أحسن ، وفي هذه الجملة المنفيّة من الإعراب ثمانية أوجه : أظهرها : أنّها مفسّرة لأخذ الميثاق ، وذلك أنه لمّا ذكر تعالى أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إيهام للميثاق ما هو ؟ فأتى بهذه الجملة مفسّرة له ، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب . الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من « بني إسرائيل » وفيها حينئذ وجهان : أحدهما : أنّها حال مقدّرة بمعنى أخذنا ميثاقهم مقدّرين التوحيد أبدا ما عاشوا . والثاني : أنها حال مقارنة بمعنى : أخذنا ميثاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد ، قاله أبو البقاء ، وسبقه إلى ذلك قطرب والمبرّد ، وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك على الصحيح ، خلافا لمن أجاز مجيئها من المضاف إليه مطلقا ، لا يقال المضاف إليه معمول في المعنى لميثاق ، لأنّ ميثاقا إمّا مصدر أو في حكمه ، فيكون ما بعده إمّا فاعلا أو مفعولا ، وهو غير جائز لأنّ من شرط عمل المصدر غير الواقع موقع الفعل أن ينحلّ لحرف مصدري وفعل وهذا لا ينحلّ لهما ، لو قدّرت : وإذا أخذنا أن نواثق بني إسرائيل أو يواثقنا بنو إسرائيل لم يصحّ ، ألا ترى أنّك لو قلت : أخذت علم زيد لم يتقدّر بقول : أخذت أن يعلم زيد ، ولذلك منع ابن الطراوة « 2 » في ترجمة سيبويه : « هذا باب علم ما الكلم من العربية » أن يقدّر المصدر بحرف مصدري والفعل ، وردّ وأنكر على من أجازه . الثالث : أن يكون جوابا لقسم محذوف دلّ عليه لفظ الميثاق ، أي : استحلفناهم أو قلنا لهم : باللّه لا تعبدون . ونسب هذا الوجه لسيبويه ووافقه الكسائي والفراء والمبرّد . الرابع : أن يكون على تقدير حذف حرف الجرّ ، وحذف أن ، والتقدير : أخذنا ميثاقهم على أن لا تعبدوا أو بأن لا تعبدوا ، فحذف حرف الجر لأنّ حذفه مطّرد مع أنّ وأن كما تقدّم غير مرة ، ثم حذفت « أن » الناصبة فارتفع الفعل بعدها ونظيره قول طرفة : 572 - ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي « 3 » وحكوا عن العرب : « مره يحفرها » أي : بأن يحفرها ، والتقدير : عن أن أحضر ، وبأن يحفرها ، وفيه نظر ، فإنّ إضمار « أن » لا ينقاس ، إنّما يجوز في مواضع عدّها النّحويون وجعلوا ما سواها شاذا قليلا ، وهو الصحيح خلافا للكوفيين . وإذا حذفت « أن » فالصحيح جواز النصب والرفع ، وروي : « مره يحفرها » ، « وأحضر الوغى » بالوجهين ، وهذا رأي المبرد والكوفيين خلافا لأبي الحسن حيث التزم رفعه . وللبحث موضع غير هذا هو أليق به . وأيّد
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 282 ) . ( 2 ) سليمان بن محمد بن عبد اللّه السبائي المالقي أبو الحسين ابن الطراوة - بفتح الطاء والراء المهملتين صاحب الترشيح في النحو توفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة البغية ( 1 / 602 ) . ( 3 ) تقدم .